الشيخ محمد الخضري بك

69

نور اليقين في سيرة سيد المرسلين

كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تسلموا ، فلم يبق بيت من بيوت بني عبد الأشهل إلّا أجابه ، وقد انتشر الإسلام في دور يثرب حتى لم يكن بينهم حديث إلّا أمر الاسلام . العقبة الثانية ولما كان وقت الحجّ في العام الذي يلي البيعة الأولى ، قدم مكّة كثيرون منهم يريدون الحجّ وبينهم كثير من مشركيهم ، ولما قابل وفدهم رسول اللّه ، واعدوه المقابلة ليلا عند العقبة ، فأمرهم ألاينبّهوا في ذلك الوقت نائما ، ولا ينتظروا غائبا ، لأن كل هذه الأعمال كانت خفية من قريش كيلا يطّلعوا على الأمر ، فيسعوا في نقض ما أبرم ، شأنهم مع رسول اللّه في أول أمره . ولما فرغ الأنصار من حجّهم توجّهوا إلى موعدهم كاتمين أمرهم عمّن معهم من المشركين ، وكان ذلك بعد مضي ثلث الليل الأول ، فكانوا يتسلّلون الرجل والرجلين حتى تمّ عددهم ثلاثا وسبعين رجلا ، منهم اثنان وستون من الخزرج ، وأحد عشر من الأوس ، ومعهم امرأتان وهما نسيبة بنت كعب من بني النجار ، وأسماء بنت عمرو من بني سلمة ووافقهم رسول اللّه هناك وليس معه إلّا عمه العباس بن عبد المطلب وهو على دين قومه ، ولكن أراد أن يحضر أمر ابن أخيه ليكون متوثقا له ، فلمّا اجتمعوا عرّفهم العباس بأن ابن أخيه لم يزل في منعة من قومه حيث لم يمكّنوا منه أحدا ممن أظهر له العداوة والبغضاء وتحمّلوا من ذلك أعظم الشدّة ، ثم قال لهم : إن كنتم ترون أنكم وافون بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه ، فأنتم وما تحمّلتم من ذلك وإلّا فدعوه بين عشيرته فإنه لبمكان عظيم . فقال كبيرهم المتكلّم عنهم البراء ابن معرور « 1 » : واللّه لو كان لنا في أنفسنا غير ما ننطق به لقلناه ، ولكنا نريد الوفاء والصدق وبذل مهجنا دون رسول اللّه ، وعند ذلك قالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : خذ لنفسك ولربك ما أحببت . فقال : اشترط لربي أن تعبدوه واحده ولا تشركوا به شيئا ، ولنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم متى قدمت عليكم .

--> ( 1 ) يكنى أبو بشر وهو أحد النقباء ليلة العقبة الأولى وكان سيد الأنصار وكبيرهم وهو أول من استقبل الكعبة للصلاة إليها ، وأوّل من أوصى بثلث ماله ، مات في حياة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فلما حضره الموت قال لأهله : استقبلوا بي الكعبة .